اليوم .. نرى من الحبر ما نعرف .. قطراتٍ من دم .. نرى من المسكنِ ما نعرفُ .. عراءً سقفهُ سماء .. نرى من الأيام ما نعرف .. عتمة ليل .. ولكننا نرى من الغدِ ما نفهم .. فجر .. و حُرّية ... وحرّية ... وحريّة ...

أيها الحافرون هذه الارض بخطىً من شقاء الغادرين .. بعذاب الماضي على طريق الجُلجُلة .. أيتها الورود التي تُقتَلَعُ من ترابها .. ثم تؤمرُ أن تُتقِن عيش الحياة .. خرجتم .. خرجتم .. ولكنكم عائدون ..
كوعد الإله للعصافير وأعشاشِها.. ستعودون .. و إن ظنّ من باعكم أنكم ذاهبون ..

فسيروا حُفاةً .. فهذا وداعُ الخطى للتراب .. نعم هكذا كنتُم أقربَ من أرضكم عند جمرِ الوداع .. تصافح أقدامُكُم أرضَ جنّتها قبل أن تُخرَجَ منها .. إلى أينَ يا أيّهذا الغريب .. وماذا يدور بعقلِكَ قلّي .. وماذا ترى عينُكَ الآن من هذا الزمانِ المَبالغِ في سعيِهِ للوضوح ! ... أمِن نجمةٍ في السّماء .. إلى خيمةٍ في الطريق ؟!! ... إلى أين ؟ ..

إلى أينَ ؟ ..
أيّ البلاد تُرى الآن أحلى ؟ وأنت الذي جاء من جنةٍ ؟!!.. وأي إخوتكَ له وطنٌ مثل وطنك ؟ ليقول تعالَ فلا تشعُرُ أنكَ تؤخذُ للقبر غصباً ؟... لقد كان التراب حنوناً على قدميكَ حتى وأنتَ تُغادِرُ .. قد كان أحلى .. وكانت سماءٌ لبيتِكَ أرحب من كل هذي السماء .. إلى أين يا صاحبي ؟ .. بعد هذا الرحيل ..
لنا من طفولتنا .. كلُّها ..وهذا اكتمال الإرادة فينا .. وهذي قوانينُ حُبّ الحياة .. فلا خيمةٌ تتعبُ القلبَ أكثر مما يحاولُ هذا الزمان الشحيح .. وقد كان ذاك المكانُ سياجاً على القلب من وجعٍ في الحياة .. وقد هاجر الحارسُ عن ضعفِ قلبي .. و راح من الكفّ قُدسُ المكان ..

أتعرفُ ؟ جاء الثلج إحدى وستين مرة ..! .. وما زالت الجدّة تحكي عن الثلج في بيت لحمٍ و وجبال الخليل .. وأن صباح الخبز والتنّور أحلى .. وحتى الدموعُ هنالكَ أحلى .. أتعرفُ لو أنني عُدتُ ..قلتُ : نعم .. قال : كنتُ مشيتُ على جمر أرضي و لم أترك الجدّة تحكي ليَ عن وطني وكأنّ بلادي خيال ..! .. وأين كانت ؟ سألتُ .. فقال :

توارت مع الحُزنِ خلف الخيامِ لتنزف شهد الدموع .. ولا تُشعِر بعض الصغارِ بشيءٍ من الضعف أو .. غربةٍ مُرّةٍ .. هذهِ جدتي .. سنديانةُ هذا الصمودِ تعلّمُ جيلاً من الحزنِ أن الإرادة تكمنُ في بعضِ ابتسامةٍ لحظة الإنكسار .. وقالت لحظة النكبةِ .. سوف نعودُ .. قليلاً يا جدّتي ونعود .. وللآن أروي لطفليَ عنها .. بأنّا قريباً قريباً نعود ..
نعم نتجذّر في ارضنا .. نعم نتجذّر .. وتصبحُ أجسادُنا بعض أغصانِ زيتونةٍ في رحابِ الأملِ الأخضرِ لحظة موتٍ اسود .. أو أبيضٍ .. هكذا نتجذّر في الارض .. حتى نموت ..

تُعانِقنا أغصانُ أشجارنا وتشعر أنّا هنا .. تشعُرُ أنا هنا .. لأنّا فقط .. من سقاها دماً من حنايا الفؤادِ وأبنائنا .. ومن عسلِ الروحِ عند اللقاء وعند الفراق سقينا من الروح أغصانها .. ونمرضُ بالعشق ونعدي به كل أطفالنا .. ليحملَ طفلي وطفلُكَ مفتاح بيتٍ .. ومفتاح نصرٍ .. ويبقى يقيناً حديثٌ لجدّاتنا ... أننا سنعود .. قليلٌ من الصبر والحُبّ .. وسوفَ نعود ..
















15 مايو, 2009 01:53 م